
مجلة الاستثمار
في عمق أزقة القاهرة القديمة، وتحديدًا في شارع "النبكشية" بحي الجمالية، تقف "وكالة بازرعة" كمعلم تاريخي صامت، لكنه ناطق بحكاية عربية ضاربة في القدم، حكاية بدأت حين امتزجت رائحة البن اليمني بنبض المصريين، فولدت حالة استثنائية من الذوق والذّاكرة والتجارة العابرة للثقافات ووجه استثماري خالد.
⋮⋮
⋮⋮
لم يكن البن اليمني مجرد مشروب ساخن يتناوله الناس في الصباح، بل كان – ولا يزال – فنًا بطبعه، ومزاجًا تتوارثه الأمم. وكما يُقال اليوم: "البن مزاج العالم كله"، فقد كان في القرون الماضية نافذة ثقافية وتجارية فتحت اليمن على العالم، وجعلت من قهوته مرسالاً حضارياً يعبر البحار.
تعود بدايات القصة إلى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، حين بدأت قوافل البن اليمني تشق طريقها من ميناء المخا إلى موانئ الحجاز ومصر، ليصبح اليمن المصدر الأول للقهوة في العالم. لكن التحوّل الحقيقي جاء في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، عندما وصل إلى القاهرة رجل استثنائي من حضرموت يُدعى "بازرعة"، يحمل معه شيئًا أغلى من الذهب: البن اليمني بطعمه الفريد وسحره الخاص.
لم يكن بازرعة تاجرًا عابرًا، بل مستثمرًا صاحب رؤية بعيدة المدى، أنشأ أول وكالة متخصصة لبيع وتوزيع البن اليمني في قلب القاهرة، في حي الجمالية، حيث لا تزال الوكالة قائمة حتى اليوم كأثر معماري وتجاري يجري ترميمه تدريجيًا، شاهدة على واحدة من أعرق قصص الاستثمار العربي.
وفق روايات تاريخية موثوقة، فإن بازرعة لم يكتفِ بجلب البن، بل جلب معه روح اليمن ونكهته. تزاوج أبناؤه من مصريات، وامتزجت الأُسر، وامتزجت معهم القهوة. حتى باتت رائحة البن اليمني رائحةً مصرية، ترتبط بالبيت، بالجلسة، بالضيافة، وبالحنين. لم يعد أحد يسأل: "هل هذا البن يمني؟"، بل أصبح هو الهوية القهوية في وجدان الشارع المصري.
⋮⋮
في تلك العصور، كانت تجارة البن اليمني مع مصر من أعظم الأنشطة الاقتصادية التي عززت الروابط العربية، وأسست لسوق مزدهر امتد من الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا، وخلق حالة فريدة من التبادل بين المنتج اليمني والمستهلك العربي، جمعت بين الربح والاستقرار الاجتماعي والثقافي.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة قرون على تجربة بازرعة، لا يزال البن اليمني يحمل نفس الجودة بل وأكثر، لكنه يقف على مفترق طرق: بين ماضٍ مجيد ومستقبل غامض. فمع كل التحديات التي يواجهها اليمن، ومع التراجع في الاستثمار الزراعي والتجاري، يظل البن اليمني بحاجة ماسة إلى رؤية استثمارية جديدة تعيد له اعتباره العالمي.
فـ"وكالة بزرعة" ليست مجرد مبنى أثري، بل نموذج اقتصادي وثقافي ناجح يجب أن يُستعاد. فلماذا لا نرى اليوم وكالات معاصرة للبن اليمني في القاهرة، والرياض، والدوحة، ودبي، وحتى في باريس وبرلين؟ لماذا لا يُطلق اسم اليمن على علامات تجارية عالمية تتاجر بهذا الكنز الأسود؟
إن البن اليمني ليس مجرد محصول زراعي، بل مشروع اقتصادي متكامل، يحمل قيمة مضافة عالية، وسوقاً عالمياً ضخماً، ورسالة ثقافية سامية. إنه فرصة استثمارية نادرة لمن أراد أن يضع اسمه في سجل النجاح الحقيقي... كما فعل بازرعة من قبل وهيئة الاستثمار الضامن بعد الله.
فمن يرفع فنجان التحدي؟
ومن يعيد كتابة الحكاية.. بحروف معاصرة ونكهة يمنية أصيلة؟
احصل على آخر أخبار وتحليلات اخبار في بريدك الإلكتروني.

Feb 10, 2026

Feb 8, 2026

Feb 8, 2026

نظمّت الهيئة العامة للاستثمار اليوم بمحافظة الحديدة، فعالية للترويج للفرص الاستثمارية في المنطقة الصناعية بالمحافظة تحت شعار "رؤية جديدة نحو انطلاقة استثمارية شاملة في المنطقة الصناعية".

أوضح نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية اليمنية الأستاذ محمد محمد صلاح: أن تدشين "مركز خدمات المستثمر – النافذة الواحدة" يُعد منجزاً يترجم بشكل عملي الرغبة الحقيقية للحكومة في البدء بالتطبيق الفعلي للحوافز التي يقدمها قانون الاستثمار الجديد، والتوجه نحو إحداث نقلة نوعية في قطاع الاستثمار،

إلى ذلك أكد رئيس الهيئة العامة للاستثمار محمد أبو بكر بن إسحاق في كلمته التي ألقاها خلال الفعالية أن تدشين مركز خدمات المستثمر "النافذة الواحدة" يحمل رسالة طمأنة واضحة لكل مستثمر مفادها أن الدولة شريك حقيقي في نجاح الاستثمار، وأنها ماضية بجدية في إزالة العوائق وتقديم بيئة أكثر استقراراً ووضوحاً تمكن رأس المال من العمل والإنتاج والنمو.